حين نتأمل مواقف السعودية من بعض الدول
العربية التي أصيبت بفوضى الربيع العربي،
نجد أن مواقفها ايدلوجية مبنية على فكر معين، وهو الصراع السني الشيعي، وهنا لا
نطرح الموضوع من باب صلاحية هذا المذهب، وأخطاء ذاك، بل على تسيس الأمر هنا أو
هناك، فمن الجانب الآخر نجد إيران تقف ضد السعودية بناء على فكر مذهبي مسيس.
الطرفان لا يهمهما الدين بقدر ما
يهمهما النجاح السياسي، فإيران استغلت الفوضى في سوريا للتقارب أكثر من النظام
السوري المعروف قربه من التوجه العلوي، غير أنه وعبر تاريخ سوريا، لم تمارس فيها
أي أنواع من التطرف الشيعي ضد السنة، بل أن علماء السنة والأئمة والخطباء يعملون
بدون أي ضغوطات، كما أن ممارسات الشيعة التي شاهدناها في العراق وايران، والتي
تعتمد على جلد الجسد بالجنازير إلى غيرها من ممارسات هذه الطائفة، لم نشاهدها في سوريا طيلة نظام الأسد، كما أن النظام
السوري تغلب عليه مسألة الليبرالية اكثر من أي توجه ديني.
السعودية صارت دولة تنظر إلى كل دولة
تكثر بها الطائفة الشيعية على انها عدو وجب قتاله، واي دولة تقترب منها ايران
تعتبرها هدفا لها، ولم تسأل السعودية نفسها لماذا حدث هذا الأمر. فسوريا زمن الأسد
الأب والابن لم نشهد مجاعات تجتاحها، ولا تدمير بها، كما لم نرى أو نسمع بسوري
واحد يترك بلاده مهاجرا عبر البحر أو الحدود.
وإذا ما نظرنا إلى توزيع السكان في
سوريا نجد العديد من الدراسات تشير إلى إحصائيات مختلفة، ففي إحصاء عام 1985 وزعت
النسب على الشكل التالي: 76.1% مسلمون سنة، و11.5% علويون، و3% دروز، و1%
إسماعيليون، وبين 4.5% و0.4% شيعة إثنا عشرية.
يعني بشكل عام سوريا بلد سني، ولا يمكن
بأي حال اضطهاد الأغلبية من قبل الأقلية، وإن وجدت دكتاتورية ممارسة في هذا البلد،
فهي دكتاتورية على الجميع وليست موجهة لتيار معين من السكان.
وفي حالة حملنا ايران أو سوريا مساندة
التطرف الشيعي ضد المسلمين فإننا نجد أصابع اتهامات عديدة توجه للسعودية، بصفتها
من خلق الأجسام الارهابية في العالم الاسلامي، وذلك بتبنيها عدة جماعات وشخصيات
اصبحت قيادات كبيرة في عالم الإرهاب " المتأسلم".
وحسب مصادر عالمية كثيرة منها ما نشر
في وثائق ويكيليكس، تثبت انفاق السعودية المليارات لبث الفكر الوهابي التكفيري
وليس من المصادفة أن آلاف السعوديين انضموا لداعش.
وقدرت الخارجية الأمريكية أنه على مدى
العقود الأربعة الماضية أنفقت السعودية أكثر من 10 بليون دولار على مؤسسات خيرية
مشبوهة لإنشاء تيار يلتزم الوهابية، وأن نحو 20 بالمئة من هؤلاء انضموا للقاعدة
وللجماعات الإرهابية.
وكان الكونغرس الأمريكي قد اعتمد أواخر
سبتمبر قانون '' تطبيق العدالة ضد رعاة الإرهاب'' المعروف باسم ''جاستا'' الذي
يسمح لضحايا الهجمات بمقاضاة المسؤولين الأجانب أمام محاكم أمريكية، وتركز الأضواء
على السعودية لأن معظم إرهابيي هجمات 11 سبتمبر هم من مواطنيها.
يقول كورتين وينزر السفير الأمريكي
والمبعوث الخاص للشرق الأوسط في مذكراته "اختارت القاعدة السودان كمقر رئيسي
لها، ولكن عقب انتصار طالبان في 1996م انتقلت القيادة إلى كابول لإقامة دولة
وهابية نموذجية". ويضيف وينزر أنه "تحت الضغط الأمريكي أسقطت العائلة
الملكية السعودية الجنسية عن أسامه بن لادن، ولكنها أبقت على الجمعيات الخيرية
التي وفرت الدعم المالي للقاعدة".
ويشير وينزر في مذكراته إلى إنه يسود
الاعتقاد بأن أسامة بن لادن قد وقع في منتصف التسعينات اتفاقا مع الأمير تركي
الفيصل المدير السابق للاستخبارات السعودية تلتزم فيه القاعدة بعدم مهاجمة المملكة
ومسئوليها مقابل الكف عن ملاحقة بن لادن شخصيا أو المساس بقنوات التمويل المالي
للقاعدة.
ولكن يبدو أنه بعد هجمات 11 سبتمبر
والتي نفذها ارهابيون أغلبهم من السعودية، ضغطت أمريكا على السعودية للحد من تمويل
وتحرك الارهابين السعوديين.
يوضح وينزر بأن السعودية بدأت بملاحقة أنصار
القاعدة وحدثت مواجهات بين الشرطة والإسلاميين المسلحين بصورة متقطعة منذ مايو
2003م ، ولكن على الرغم من ذلك، يقول وينزر، أظهرت القاعدة التزاما باتفاقها مع
المملكة ويفسر ذلك تنقل المئات من أفراد العائلة الملكية السعودية بكل حرية دونما
خوف من الاغتيالات كما أن المنشآت النفطية السعودية لم تستهدف سوى مرة واحدة
وبصورة طفيفة، ومقابل ذلك استمرت المملكة في دعم انتشار الوهابية ومدارسها التي استمرت
هي الأخرى في تخريج متطوعين للقاعدة.
نعود للوضع الحالي، فالسعودية رغم تحججها بحرصها على النهج السلفي
السني، إلا أن مواقفها السياسية هي التي تحركها باتجاه مناطق التوتر، فبعد ميلا
واضحا في أخر أيام الملك الراحل عبدالله، وقربها من مصر ودعمها للجيش الليبي
والبرلمان، امسنا تغيرا واضحا مع خليفته الملك سلمان، حيث توترت العلاقة مع مصر
بناء على موقف مصر من سوريا وتقاربها مع روسيا، كما بدأت سياسة السعودية الرسمية
والاعلامية تبتعد عن دعم الشرعية في ليبيا، وصارت أكثر قربا من التيار المتشدد
الذي يقوده الاخوان وبقايا قيادات من القاعدة في العاصمة الليبية.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكـرا لمشـاركتنا برأيـك