ليبيا أصبحت بلدا يعج بالمتناقضات
والغرائب السياسية، رغم كل ما كان يتوهمه الليبيون والعالم معهم بأنهم شعب متجانس
قريب أفراده من بعضهم، تربطهم أواصر قوية من قُربى، لا توجد مذاهب دينية، أو
صراعات عرقية.
فما الذي حدث، يبدو أن القبضة التي كان
يحكم بها القذافي البلاد، كانت تخبو تحتها أفكار وتفاعلات عديدة، فالقذافي قرب
قبائل وتجاهل اخرى، مال إلى مدن ودعمها وتجاهل أخرى وهمشها، كان كل ما يهمه أن
يكون الأفراد، وتكون المدن والجهات مخلصة له، اشترى ذمما وجند شيوخ قبائل وعسكريين
وأكاديميين ونشطاء لهذا الأمر.
أصبح غرب ليبيا مثال للدولة في نظر
سكان شرق ليبيا، وبالتالي أصبحت هذه العوامل تنصهر لتكون حمم بركانية تنتظر فجوة
صغيرة في جدار القبضة الأمنية لتنفجر مدمرة كل شيء في طريقها، وبدأ الليبيون يفرون
من هذا الجحيم بحثا عن موطن أمان للكثيرين، ووطن للمقاومة في نظر البعض، وهنا مربط
الفرس وموضوع حديثنا تحديدا.
فليس كل من خرج من ليبيا في عهد
القذافي كان مخلصا في صراعه معه فأغلبهم كما قلنا كان يبحث عن أمان لرأسه، وتأمين
مستقبل لأولاده، وبعض من أغوتهم قصة الديمقراطيات ومساندة حركات مقاومة
الديكتاتوريات، وقعوا في مصيدة التعامل مع مخابرات ودول كُبرى ورطتهم من حيث يدرون
أو لا يدرون في ضرورة التعامل معها لمرة، وبالتالي لن يستطيعوا الفكاك من هذا الفخ
لنهاية أعمارهم.
وتجدر الاشارة إلى أن تيار الاخوان
المسلمين الليبي تنازل عن سياسة معارض لنظام القذافي، بعد أن أوصته المخابرات
الغربية بذلك، نظرا لتقارب تلك المخابرات والدول من نظام القذافي عن طريق ابنه سيف
القذافي، وتبرأت هذه الجماعة من كل ما له علاقة بمعارضة القذافي، ورفضت المشاركة
في مؤتمر المعارضة بلندن عام 2005.
نسبة كبيرة من الليبيين الذين لم
يخرجوا في عهد القذافي، أو لم يقاوموه لم يكن أحد منهم راضي عن ما يحدث في ليبيا طوال
هذا العهد، وكان كثير من الشعب الليبي يظن بأن سقوط القذافي سيجعل ليبيا تعود
بسرعة كدولة، بل وأن أغلبهم كان يراهن على الليبيين في الخارج كنواة لعودة دولة
المؤسسات والتنمية والرفاهية.
غير ان ما حدث أوقع قلوب الليبيين في
أياديهم، فأغلب المعارضين أفرادا وجماعات، وتنظيمات مختلفة الأيدولوجيات، وصلوا
لمناصب الدولة، وبدأت تتضح الرؤية، فهاهم يتركون البلد زرافات ووحدانا، بعد أن
أمنوا أرصدتهم بالملايين، ولذلك أدرك ليبيو الداخل بأن اسقاط القذافي، كان اسهل من
التعامل مع من يسمون أنفسهم معارضين ومناضلين لعهد القذافي ومن ضمن ما يتداول في
داخل ليبيا الآن سؤالا محددا، وهو لماذا لم يتنازل أصحاب الجنسيات الموازية عن
جنسياتهم البديلة؟ ولماذا لا يأتون للعيش في ومقاساة ما يعانيه الليبيون بعد رحيل نظام
القذافي ؟.
المعارضون والمناضلون السابقون للقذافي
وصلوا ليبيا خلال السنتين الأوليين من رحيل القذافي ، ويحملهم الليبيون مسئولية توريط
البلاد في مشاكل عديدة، وتسليم البلاد لأشخاص وتنظيمات واشخاص أكثر جرما من عهد
معمر، خصوصا أن الدول الديمقراطية التي يفخر أغلب المعارضين لنظام القذافي بالانتماء
إليها تنكرت للديمقراطية الليبية الوليدة ودعمت الانقلابين في المؤتمر واغليهم منذ
ذوي ( الجنسيتين ).
لايزال الشعب الليبي يحمل الدكتور محمد
يوسف المقريف رئيس جبهة المعارضة للقذافي السابق، وكذلك رئيس أول مجلس تشريعي
منتخب بعد القذافي ( المؤتمر الوطني) في مشاكل عديدة، ثم تركه رئاسة المؤتمر وعودته
لأمريكا ؟ كما يتندر الليبيون بما قدمه المعارض السابق صالح جعودة كوقاية من
عمليات الاغتيالات، حين قال يجب وضه ( سيخ ) حديد في انبوب عادم السيارات، لكي
يكتشف هل وضعت فيها متفجرات أو لا !! ويظل فعل المعارض السابق أيضا ابراهيم صهد
القشة التي قصمت ظهر تقارب الشعب الليبي من المعارضين السابقين لنظام معمر، حيث قبض
صهد ثمن معارضته ورواتبه عن كل سنوات بقائه خارج ليبيا، ثم سافر أيضا للعيش في
أمريكا.
يدرك الليبيون أن نظام القذافي انتهى،
وحتى من يحن إليه من المقربين من هذا النظام يعون جيدا بانه لن يعود، لكنهم أيضا
لا يقلون سوءً عن معارضي القذافي، فهم لا يهمهم أيضا الوطن، ويريدون مفصلا على
مقاساهم زمن القذافي، حيث يرفلون في نعيم الفتات الذي يرميه لهم القذافي وحاشيته،
واكتسبوا بعض النفوذ يتعالون به عن بقية الشعب.
الشعب الليبي الآن يدرك بأن الحقيقة
الوحيدة لإعادة الوطن، لذلك هو الآن يساند وبقوة الجيش وقائده المشير خليفة حفتر
الذي يقارع الارهاب، المدعوم بأطراف دولية أغلبها تعتبر بلدان لمزدوجي الجنسية، والغريب
أنك لن تجد ابنا واحدا لمعارض سابق يقاتل في الجبهات مع أبناء الشعب الليبي في حرب
استعادة الوطن، كما انك لن تجد معارضا سابقا للقذافي يقف مع الجيش والشعب في حربه هذه بشيء ملموس وحقيقي يعبر عن موقف
حقيقي تجاه وطنه.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكـرا لمشـاركتنا برأيـك